The Moorish Wanderer

يسار يسير و عسير

Posted in Moroccan Politics & Economics, Moroccanology, Read & Heard, Wandering Thoughts by Zouhair ABH on July 7, 2012

في إطار برنامج الندوات “رالف ميليباند” بمعهد لندن للعلوم الإقتصادية و السياسية، تقدمت الأستادة جياتي عوش في محاضرة لها خلال شهر مايو المنصرم، بتشخيص لليسار يبعث بالإهتمام لمن يبحث عن قراءة تتجرد من الأرثودوكسية الجاري بها العمل بين اليساريين في المغرب (عفوا يا رفاق) فكما تذكر الأستادة غوش، غالبا ما يشكل اليسار في هاته الدول عاملا “مقاوما” عكس ما يريد أن يكون لعامة الأفراد، أي عامل تغيير أو ثوري حسب ظروف المؤسسات و النظام السياسي في بلاد معين.

ينطبق هذا التشخيص على حال اليسار المغربي في مجمله. غالبا ما يبدوا (خصوصا الغير الحكومي منه) رمز مقاومة ضد المخزن، مقاومة يريدها شعبية لن تبقى في كيانها حفنة من المثقفين الذين فقدوا عضويتهم الغرامشية في سبيل إعتناق قضايا لا تخص أولائك الذين يشكلون جمهور اليسار النظري. لا أعني أن الدفاع عن الحريات الفردية أو المساوات بدعة على بدعة، لكن قائمة الأولوية لعامة المغاربة تحث اليسار على الإهتمام للجانب المادي بإقتراح حلول لتحسين حال الأغلبية وفي نفس الوقت الدفاع عن قضايا سالفة الذكر. أظن أن ما أريد الإشارة إليه هي اللغة المستعملة، لا غير

المقدمة هاته تلخص تشاؤمي من مسار اليسار في المغرب، بل و أستبعد التصويت على مرشحي تحالف اليسار الدمقراطي إن تقدم ذ. محمد الساسي أو ذ. نجيب أقصبي  (ترشحا خلال إنتخابات 2007 في دائرتي) إن بقي الحزب على حاله. تحفظي هذا ينتج أولا عن إيماني بما يصفه الرفاق ب”الدمقراطية البرجوازيه”: الإنتخابات تبقى بالنسبة إلي السبيل الوحيد لممارسة الحكم و حشد مساندة المواطنين للمشروع المجتمعتي الذي أساند. و قرار الحزب وحلفائه بمقاطعة الإستفتاء و الإنتخابات التشريعية سنة 2011 كان خطء فقد فيه التحالف مصداقيته عند مجموعة كبيرة من المعتدلين دون أن ينتج ذلك ربحا في تثبيت شعبيته لدى جمهور أكثر تحمسا للشأن السياسي. و في المدى البعيد، قراره هذا دفع اليسار الدمقراطي أمام طريق نهايتها تجريده من كل تعاطف قد يعينه في إستحقاقات إنتخابية مستقبلة.

وأظن أن هاته القرارات لم تنتج عن خيار إستراتيجي مدروس دو نظر بعيد، بل كان نتيجة خليط من المزايدات النظالية، تحمس زائد أشعل فتيله بحنين لسنوات النضال، مع العلم أن اليسار الدمقراطي بإستثناء حزب النهج الدمقراطي إختار الدمقراطية البرجوازيية منذ زمن. عودة لهذا المسلك في أقل من سنة بعد خطاب شبه غيفاري يعد إرتجال لا يقبل من طرف مرشحيين يريدون تدبير حياة المواطنين. وإن فعلا لعب المخزن أوراقه الأخيرة، فإن اليسار الدمقراطي قد غادر طاولة الملهى منذ مدة مع الأسف.

تبقى في رأي مسألة رمز المقاومة مهمة كعامل تفسر ضعف اليسار وتخادله في محاولة إقتراح تغيير يقتنع له عامة المغاربة. أولا، مشكل “اليسار المقاومة” مترسخ في طراجيديا الإستقلال بدون الجمعية التأسيسية الدستورية. كل قوى اليسار، حكومية كانت أو معارضة، توحي باللحظة المؤسسة لإصلاح الدستور، بما فيه الإتحاد الإشتراكي المتشبت بأسطورة الشهيد مهدي بنبركة (أسطورة بالمعنى السوسيولوجي) وهذا التشبت يبدوا كتبرير لتجدر اليسار في تاريخ المغرب و شرعيته في طلب الحكم.
ثانيا، يعاني اليسار في المغرب من إعاقة فادحة يستفيد منها خصومه لعزله عن عامة المغاربة. اتذكر محاضرة أخرى بمعهد لندن لتفسير أطروحتي هاته: زيغمون باومن في محاضرته حول مستقبل مفهوم اليسار و ترابطه المتين مع الحداثة، يقول أن الحداثة مفهوم ديناميكي، أي لا يوجد مكان أو زمان يقف عليه المفكر و يلخصه في جملة: “هذا العهد حداثي”. جانب الحداثة هذا يضعف اليسار أمام أطروحات محافظة أو رجعية (رجعية في معناها الفلسفي) تستعمل مفاهيم و إديولوجيات (منظومات تفكير) تتجانس و تصور عامة المغاربة للعالم (فيلتشاونغ) تستحي من مفاهيم دينية خصوصا. لا يستطيع اليسار تبني الجانب الديني في خطابه لأنه سيعارض ما تبقى له في ترسانته الإديولوجية: تعامله مع الشأن الإقتصادي يتنافى و بعض التعاليم الدينية، و يتطابق تمام و مكرهات الواقع. يسلط مثال رمز المقاومة أيضا معارضة “السياسات النيولبرالية المتوحشة” إلخ، سياسات عانى منها المغاربة بالفعل، لكن تفقد من تأثيرها حينما يستعمل اليساري ألفاظا مضخمة لوصفها. ما أتمناه من اليسار في المغرب هو مشروع إقتصادي يتخطى شعارات محاربة الفساد (أحزاب أخرى تبنت هذا الخطاب) و التنديد بسياسات تؤثر على المغاربة عامة سلبيا، لكنها تفقد من معناها بسبب الخطاب المبالغ فيه. أظن ما أريد الإشارة إليه هو فقدان اليسار لإحتكاره لقراءة التقنوقراطية لإقتصاد.

نحن الآن في زمان يحث على بناء مشاريع إقتصادية دقيقة في خياراتها و متجردة من إعتبارات إديولوجية في نفس الوقت. ما أعنيه هو أن بعض المبادئ العامة كافية تماما، و تبقى ثانوية بالمقارنة مع إقتراحات عملية لتحسين الوضعية المادية للأغلبية. و في نفس الوقت يتمن الحداثي من فرض أطروحته على وزن مقولة مارغارت ثاطشر الشهيرة: “ليس هناك أي خيار“. لكن للوصول لهذا المكتسب وجب تبني العمل السياسي وسط المؤسسات دون الردوخ التام. مهما كان الوضع في المغرب، يمكن دائما لقوة سياسية طموحة أن تمارس عملها السياسي داخل قبة البرلمان و مؤسسات أخرى دون المساهمة في جوق “قولوا العام زين”، حفاطا بذلك عن كرامتها السياسية و توطيدا لتعاطف العديد مع أطروحتها. ما أتمناه لليسار ككل هو موقف معارضة تتخلى جزئيا عن المزايدة على الطريقة النقابية، وتنهمك في تشييد سمعتها كالفريق السياسي الوحيد الكفيل بتحقيق العدالة الإقتصادية عكس المخزن أو القوى المحافظة ذات ال مرجعية الدينية. يجب على اليسار الأخذ بمقولة جيمس كارفيل مستشار بيل كلينتون خلال إنتخابات 1992: “إنه الإقتصاد يا غبي”

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: